استمرار إغلاق المآتم والمساجد: وقاية أم اضطهاد ونكاية؟

كثيراً ما تساءل مواطنون عن أسباب استمرار إغلاق المآتم والمساجد ورفض فتحها على الرغم من إبداء الاستعداد للامتثال لكل الإجراءات الصحية المطلوبة، خصوصاً مع سياسات الدولة في الفتح التدريجي للمنشآت في البلاد، وهو تساؤل كان ينتهي بالتشكيك في وجود أسباب أخرى وراء ذلك أبرزها الاضطهاد الطائفي الذي انتهجته الدولة بشكل فاقع منذ العام 2011، فهل هذه الشكوك في محلها؟

بالعودة قليلاً إلى الوراء والتسلسل الزمني للأحداث، سنكتشف إن إيران أعلنت عن أول وفاتين بفيروس كورونا في 21 فبراير، وكان حينها حوالي ألفين بحريني في إيران، وبالفعل أعلنت البحرين عن أول إصابة بالفيروس في 24 فبراير وقالت إنها لأحد المواطنين العائدين من إيران، ومنذ تلك اللحظة بدأت الصحف والموالون في وسائل التواصل الاجتماعي بمهاجمة الشيعة.

الاستغلال الرخيص

لقد اتهم الشيعة يومها بجلب الفيروس إلى البلاد، ووصلت الأمور إلى حد التلكؤ في إعادة العالقين في إيران، بينما تم إجلاء عدد من البحرينيين المتواجدين في إيطاليا التي كانت هي الأخرى بؤرة ساخنة لتفشي الفيروس.

سياسياً قام ملك البحرين بتكليف الأوقاف الجعفرية بدلاً من وزارة الخارجية بمتابعة قضية العالقين البحرينيين في إيران وصرف أموال «من الأوقاف الجعفرية» لتوفير سكن لهم، في إهانة أخرى للمواطنين الشيعة، وما حدث في مطار مسقط ومطار الدوحة بالإضافة إلى الرحلات المجدولة الملغية كانت مستوى جديد من الطائفية غير المبررة، التي لا يمكن فهمها إلا في سياق معاقبة الشيعة البحرينيين لأنهم شيعة.

في المقابل فإن البحرينيين الشيعة لم يكونوا مستهترين، ولم يكن التعاطي الحكومي معهم سبباً للتراخي وعدم الالتزام، فبعد أقل من أسبوع عن اكتشاف أولى الإصابات، دعت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (1 مارس 2020) الأهالي إلى التعاون للفحص عن فيروس كورونا، خصوصاً العائدين من إيران، وفي اليوم التالي دعا كبار علماء الشيعة في البحرين (في بيان رسمي) إلى وقف الفعاليات الدينية في المساجد والمآتم بشكل طوعي، ومع عدم وجود أي قرار رسمي من إدارة الأوقاف الجعفرية أو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

وفي سياق تحمّل المسؤولية الوطنية، أصدر آية الله الشيخ عيسى قاسم بيانا (11 مارس 2020) يؤكد فيه على ضرورة إلغاء الفعاليات الدينية والاجتماعية، ويحث على الأخذ برأي المختصين واتباع الإرشادات الطبية، لكن المواقف المسؤولة التي برزت من رموز الطائفة الشيعية، قابلها الحُكم بمزيد من التحريض، حين اتهم وزير الداخلية راشد بن عبدالله آل خليفة (13 مارس 2020) إيران بشن «عدوان بيولوجي» على البلاد، غامزا من وراء ذلك إلى انتقال الفيروس إلى البحرين عن طريق المواطنين الشيعة الذين كانوا يتواجدون في إيران في زيارة دينية.

لكن محاولات الازدراء تلك لم تواجه إلا بمزيد من تحمل المسؤولية الوطنية، حيث أصدر آية الله قاسم (16 مارس 2020) بياناً يشكر فيه المفرج عنهم لعدم استقبال المهنئين بسبب فيروس كورونا، ودعت الوفاق في بيان لها المواطنين إلى التطوع لمكافحة فيروس كورونا، كما دعا العلامة الغريفي إلى الوقوف صفا واحداً لمواجهة الوباء والالتزام بالتوجيهات الصحية.

محاولة للفهم 

سنتجاوز عن ما قامت به الدولة من تحريض وازدراء وتسييس الوباء بشكل رخيص، وسنفترض جدلاً أن سبب كل ما سبق كان جهة مؤزمة في الحُكم تعمد إلى استغلال كل الظروف لتصفية الحسابات السياسية مع الأغلبية الشيعية في البلاد.

سنعتبر أن البحرين كانت مع بداية تفشي الفيروس، مثل معظم دول العالم ذات إمكانيات محدودة ولا تمتلك أية خبرة للتعاطي مع مثل هذا الوباء الذي لا معلومات عنه ولا عن كيفية محاربته ومكافحته، وسنفترض أنها قررت على عجل دون دراسة علمية أن تحاصر الفيروس ما استطاعت وتمنع تفشيه في البلاد.

قامت الحكومة على إثر ذلك بالتلكؤ في إعادة العالقين من إحدى البؤر الساخنة للفايرس آنذاك (إيران)، وقررت وضع العالقين في فنادق لحين تماثلهم للشفاء، مع وجود معلومات أولية عن مدة الـ 14 يوماً الخاصة بحضانة الفيروس، وإن أدى ذلك إلى عدد محدود من الوفيات للمواطنين هناك.

بعد ذلك تم جلب المواطنين من الخارج، ومع توافر مزيد من المعلومات الطبية والعلمية عن الفيروس وكيفية الوقاية منه، وتراكم التجارب لمختلف دول العالم، قررت الحكومة البدء بالافتتاح التدريجي للمرافق والمنشآت، وأعلنت (9 أبريل 2020) عن استئناف العمل بالمحلات التجارية والصناعية مع إلزام الجميع بلبس الكمامات في الأماكن العامة.

كبرات الصوت.. محاولة لفرض واقع جديد!

في هذه الأثناء كان المواطنون بجميع أطيافهم حريصين على الالتزام بالإرشادات الصحية، فيما لم يترك رجال الدين الشيعة فرصة إلا وأكدوا فيها على ضرورة اتباع الإجراءات الموصى بها، ومع اقتراب شهر رمضان، كان الجميع يدرك أن المساجد والمآتم ستبقى مغلقة، لحين الانتهاء من هذا الظرف الاستثنائي.

ظهرت في تلك الفترة إلى السطح فكرة أن يتم الاكتفاء بتلاوة القرآن وبعض الأدعية والمجالس الحسينية عبر مكبرات الصوت الخارجية، دون فتح الأبواب للحضور العام، للحفاظ على الطابع العبادي لشهر رمضان في القرى الشيعية، لكن الأوقاف الجعفرية طالعتنا بقرار منع استخدام المكبرات الخارجية.

القرار بحد ذاته كان يبعث على التشاؤم ويفهم منه محاولة السلطات الرسمية استغلال تفشي الفيروس من أجل فرض واقع جديد، وهو التخوف الذي كان جلياً في بيان آية الله قاسم الذي وصف القرار بأنه «خطوة مريبة»، داعياً الناس لعدم الالتزام به.

وبالفعل تجاهلت عدد من المساجد والمآتم تعليمات الأوقاف الجعفرية، وهو ما أدى إلى استدعاء العشرات من رؤساء المآتم وقيمي المساجد (13 مايو 2020) وإرغامهم على توقيع تعهدات بعد استخدام مكبرات الصوت الخارجية.

واصلت الحكومة إجراءات الافتتاح التدريجي، فقد سمحت (في الفترة التي تمنع فيها تشغيل مكبرات الصوت الخاصة بالمآتم والمساجد)، إلى السماح للاعبين المحترفين بالتمرن في الملاعب الخارجية والمسابح، وقررت كذلك إعادة فتح الصالونات ومحلات الحلاقة (27 مايو 2020)، وتم إعادة النشاط الرياضي ابتداء من منتصف يوليو (لا يمكن تطبيق الإجراءات الصحية والتباعد الاجتماعي على الرياضات الجماعية التي تقوم على الاحتكاك وتواجد أعداد كبيرة في مساحات صغيرة دون لبس الكمامات)، وانتهينا بالسماح بإعادة فتح الصالات الرياضية (وهي أماكن مغلقة) والملاعب الخارجية وبرك السباحة للعامة ابتداء من 6 أغسطس.

في هذه الأثناء حاول بعض القائمين على المآتم إقناع الجهات الرسمية بفتح المآتم والسماح بمواكب اللطم (التي تقام في الأماكن المفتوحة)، مشددين على الالتزام بالإرشادات الصحية داخل المآتم حيث يتم فرض لبس الكمامات وقياس درجة حرارة الحضور والسماح لفئة عمرية محددة بالدخول إلى المآتم (استثناء الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة)، مع منع الاكتظاظ بحيث لا يتجاوز الحضور نصف الطاقة الاستيعابية مع الحفاظ على إجراءات التباعد الاجتماعي.

لكن الحكومة حتى الآن لا تريد السماح للشيعة بممارسة معتقداتهم الدينية، مع معرفتها لما يعنيه موسم عاشوراء لهم، وهو ما عبر عنه رئيس المجلس الأعلى للصحة محمد بن عبدالله آل خليفة أثناء الاجتماع الذي عقد مع عدد من ممثلي مآتم ومواكب العاصمة وفق ما نشرت الصحف المحلية، حيث دعا آل خليفة من اجتمع بهم (عبر الانترنت)، إلى التريّث والالتزام بالإجراءات الموصى بها.

لقد أبدى الشيعة في البحرين وعياً كافياً في تعاطيهم مع أزمة كورونا، وسبق كبار علمائهم الدولة وإجراءاتها في دعوتهم إلى وقف الفعاليات الدينية والاجتماعية، ومع وضوح الرؤية في كيفية التعاطي مع هذا الوباء، فإن كل ما يطلبونه اليوم ممارسة شعائرهم دون تضييق، وهو الأمر الذي ترفض الدولة على ما يبدو السماح به، متذرعة بالجائحة وما خلّفتها من إجراءات.

المصدر: مرآة البحرين + المركز الإعلامي – ثورة البحرين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى