البحرين: لماذا خرج ملف «كورونا» عن السيطرة وحصل ما لا يحمد عقباه؟

فجأة وبعد حوالي الشهرين من إعلان أول حالة لفيروس كورونا في البحرين، قفزت الأعداد بشكل خارج التوقّعات تماما، لتصعد البحرين تدريجيا إلى ثاني أعلى دولة في العالم من ناحية عدد الإصابات نسبة لعدد السكّان. 

لماذا قفز مجموع الحالات دراميا من حوالي 4000 حالة في الشهرين الأولين، إلى 20 ألف حالة في الـ 100 يوم الأولى (أي تضاعف 5 مرات في 40 يوما فقط)، ثم إلى 40 ألف حالة في 140 يوما. لماذا يقفز عدد الحالات المسجّلة من 100 حالة يوميا بداية مايو إلى حوالي 500 حالة يوميا منذ بداية يونيو فصاعدا. 

لماذا خرجت الأمور عن السيطرة تماما وحصل ما لا يحمد عقباه؟ 

من يأخذ القرار الطبّي؟

المسار المتسارع صعودا لمجموع حالات الإصابة بالفيروس في البحرين (الرسم يبيّن التغيّر بالأيّام منذ بداية تفشّي الوباء

في البحرين لا يدير ملف كورونا وزير الصحّة كما في كل دول العالم، بل تتنازعه 3 جهات، الأولى: وزيرة الصحّة فائقة الصالح وينازعها الوكيلان وليد المانع ومريم الهاجري، الثانية: قوة الدفاع (الجيش)، والثالثة هي المجلس الأعلى للصحة، ويرأسه محمد بن عبد الله بن خالد آل خليفة (طبيب عسكري سابق). هذا هو لغز “توحيد الجهود” الذي ينادي به حتى ولي العهد البحريني. 

ورغم أن الفريق المشكّل لمكافحة كورونا يضم وجوه متعدّدة، لكن في الواقع لا أحد يعرف كيف ومن يضع البروتوكولات العلاجية والوقائية ويُغيّرها؟ رغم التفسيرات والتوضيحات المشكورة التي يُقدّمها الدكتور مناف القحطاني والدكتورة جميلة السلمان إلا أنّه لا توجد شفافية حول آلية اتّخاذ القرار الأخير، والذي يتحمّل المسئولية الأكبر في وقف أو انتشار الوباء داخل البحرين. 

هل هناك ضغط على كادر الأطبّاء والممرّضين كان يمكن تجنّبه بوقف التمييز والإقصاء والسياسات المتسرّعة (كالتقاعد الاختياري)؟ هل هناك تعارض بين الآراء “الطبّية” للمسئولين حول الخيار والإجراء الأمثل، كما في كل دول العالم؟ ومن له الكلمة الأخيرة في هذا القرار “الطبّي”؟ ليست هناك إجابات. 

الأرقام الحالية تقول رياضيا إن أعداد المصابين مرشّحة للتفاقم والتضاعف خلال شهر (أي ستصل إلى 80 ألف) ما لم تتم السيطرة على الخلل ومنه على معدّل العدوى. أحد ما داخل الحكومة وتحديدا في القطاع الطبّي يجب أن يتحمّل مسئولية هذا الفشل الذريع. وفضلا عن الأرقام الصادمة، فالكثير من الحوادث تشي بأن هناك خللا ما.

نتائج مغلوطة

على سبيل المثال، تقول أنباء إن وزارة الصحّة أوقفت العمل بإحدى آلات الفحص إثر العديد من النتائج المغلوطة. مع ذلك وحتى اليوم، لا زال هناك العديد من هذه الحوادث. امرأة تظهر نتيجتها سلبية، ثم تتّصل بها الوزارة في اليوم اللاحق لتبلغها بأنها مصابة وأن عليها القدوم للمحجر فورا! حالات تتأخّر نتيجتها بسبب ظهور بعض الأرقام غير المعقولة في تفاصيل التحليل ما يستدعي إعادة إجرائه، فيظهر بعضها سلبي بعد أن كان إيجابيا! 

حالة لرجل مسن شُخّص بالوباء وبقي 10 أيام في المستشفى قبل أن يفحص مجدّدا وتظهر نتيجته سلبية. يرخّصه الطبيب ويقول له مُبشّرا “أنت الآن بمناعة قويّة، تستطيع أن تخالط وتخرج”، وبعد أسبوع يستدعى الإسعاف للرجل، ويتبيّن عودة الفيروس له (أو أنّه كان طوال الوقت إيجابيا)!

حالة حجرت نفسها من غير فحص 10 أيام ثم حين الفحص ظهرت إيجابية رغم عدم وجود أي عوارض (أي أن الحجر لمدة عشرة أيّام لا يكفي لزوال الفيروس دائما على ما يبدو وقد كانت مدّته سابقا 14 يوما لكنّه قُلّص فجأة إلى 10)! 

ثم لماذا تقلّل السلطات عدد الفحوصات في إجازة العيد إلى النصف؟ كم سيؤثّر ذلك على انتشار العدوى خلال هذه الأيام الأربعة وكم يجب أن ينتظر المصابون الذين تظهر عليهم الأعراض إلى أن يأتي دورهم؟ 

الثقة في الدولة

مع طول أمد الأزمة، وبدءا من شهر رمضان، بدأ الناس يتوهّمون أنّهم في أمان من الوباء، وعليه تساهلوا وخفّفوا من القيود الطوعية تدريجيا، مستسلمين لمشاعرهم البريئة تجاه بعضهم. فرغم الحملات الشعبية على السوشيال ميديا لم يلتزم كثيرون بالامتناع عن التجمّع أو الزيارات خصوصا على المستوى العائلي، ولك أن تتخيّل حجم تعريف العائلة الممتدّة في المجتمع البحريني. 

البعض حين لم يروا المرض يتغلغل بعد في أوساطهم، اعتبروا هذه القيود مبالغات “ما فينا شي”. آخرون ذهبوا بعيدا إلى نظرية المؤامرة وإلى عدم تصديق الأمر برمّته، فشكّكوا في الأرقام وشكّكوا في أن الإصابات تحدث بدون أعراض.

عديدون أصيبوا بأعراض ولم يكترثوا لإجراء الفحص إلا بعد استفحال المرض، ظنّا منهم أن لا شيء يفيد في ذلك، إذ لا دواء ولا علاج، أو لاّنهّم لا يستطيعون أن يخضعوا للحجر الآن في تقديرهم. آخرون أعادوا فتح مجالسهم غير آبهين، وآخرون أقاموا مجالس عزاء على متوفين، رغم كل النذر والتحذيرات. 

هناك من لا يلبس حتّى الكمّامة لدواع ومُبرّرات لا تحصى، وهناك من لا يؤمن بالتباعد الاجتماعي. هناك من يفحص بسبب المخالطة فيُطلب منه الحجر الطوعي، يذهب للمنزل، يترك الهاتف الذي تتم مراقبته عبره ويخرج حرّا. وهناك من لا ينتظر نتيجة فحصه ثم يكتشف أنّه مصاب بعد أن جال وصال. 

أمام هذا التطوّر، كان لدى الحكومة مساحة لإعادة النظر في الدور المفقود للسلطة الاجتماعية بعد أن هدمته حملة القمع السياسية واجتثّته من الجذور. 

لم تعد هناك مرجعية مركزية للناس في القرارات الاجتماعية، القرارات التي تخصهم كمجموعة ليس لها دور أو مشاركة في إدارة الدولة. مثل هذه السلطة المجتمعية، عادة ما تكون سلطة سياسية أو دينية وتحل محل الدولة باقتدار في السيطرة على الجماهير وتوجيهها، فلن يستمع الناس لمحمد بن عبد الله ولا لفائقة الصالح حين يخص الأمر بيوتهم وعوائلهم. 

رُبّما لا تدفع أزمة كورونا الدولة إلى التفكير مليّا بإعادة الاعتبار لوجود المؤسّسات السياسية والدينية المستقلّة في البلاد، واحترام دورها الاجتماعي، خشية نفوذها وقدرتها على التحشيد. على الصعيد السياسي، لا تأبه الدولة بثقة الناس ولا بالشّرخ الذي أحدثته بينها وبينهم. إنّها تخاف سلطة النّاس ومؤسّساتهم أكثر بكثير من وبال كورونا! هي إذن حجّة ضعيفة. لتعترف بنا الدولة، لتحتاج إلى ثقتنا، سنحتاج إلى أهوال أعظم بكثير من مجرّد فيروس خبيث!

رسم بياني يوضّح التغيّر في عدد الحالات القائمة منذ تفشّي الوباء
رسم بياني يوضح التغيّر في عدد الحالات المسجّلة يوميا منذ تفشّي الوباء
رغم الإجراءات والاحترازات فشلت الدولة في احتواء العدوى بين الناس
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق