موت المحرق

من اللافت للانتباه ملاحظة أنه ليس لدى الأجيال المعاصرة في المحرق ما تفتخر به غير تاريخ المدينة. طوال الأسابيع الثلاثة الماضية التي شهدت توقيع النظام الحاكم في البحرين أخطر معاهدة منذ استقلال البلاد مع إسرائيل اجتهدت بعض النخب المحرقية في استذكار محطات من تاريخ المدينة. مثل تسميتها “بور سعيد” كناية عن دورها الوطني والقومي، وحركة عبدالوهاب الزياني (1923) ضد مشروع التاج البريطاني، وخروج أهالي المدينة لتحية جمال عبدالناصر عند توقف طائرته في مطار البحرين (1955)، ومشاركة أبنائها في مختلف التحركات السياسية إلى حدود منتصف القرن الماضي: 1918/ 1938/ 54-1956. لكن هذا الاستذكار لا يلبث أن ينقطع على أعتاب الستينات مع انتفاضة مارس 1965. كما لو أنّ تاريخ المدينة توقف عن الجريان والسيولة منذ هذه اللحظة أو أنجز مهمته. وكما لو أنّ القومية هي محض استرجاع تاريخي وحنين شاعري إلى ماض مضى لم يعد قائماً وليس توقيعاً متصلاً في الزمان.

الحال أنّ هذا الاستذكار في تأصيل هوية للمدينة ما عادت موجودة في الحاضر يشي بالكثير. فإذا كانت المحرق مهد حراك عبدالوهاب الزياني في عشرينات القرن الماضي فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين ورثة خطه وحركته في عشرينات القرن الواحد والعشرين؟ وإذا كانت المدينة قد خرجت لتحية عبدالناصر تعبيراً عن مستوى تأثرها بالحركة القومية العربية فلم لم تخرج أو تتحرك لمواجهة اتفاق تطبيع العلاقات البحرينية – الإسرائيلية!

تحتضن المدينة مقرات نحو 6 جمعيات سياسية على الأقل مختلفة المشارب والوزن و150 مجلساً أسبوعيا و7 نواد رياضية و43 مسجداً وجامعاً. كما تعد مقراً لأهم تيارين إسلاميين سنيين، الإخوان والسلف. ناهيك عمن يتم تقديمهم كوسطييين معتدلين أو مستقلين مثل خرّيجي جامعة الأزهر الشريف والمتصوّفة. لكنّ كل هذا الكوكتيل المركب الذي يشكل البناء المدني والأهلي الحيوي للمدينة ورافعة شخصيّتها وهويتها المعاصرة قد غابوا تماماً عن تسجيل موقف ذي شأن يستحق التوقف عنده. 

إذا كان كتاب التاريخ مثل خالد البسّام قد نقلوا لنا جانباً من مظاهرات أهالي المحرق جنباً إلى جنب إخوتهم في المنامة ضد قرار تقسيم فلسطين عام 1947؛ فماذا سيكتب لنا ـــ لو قدر له القيام من أبديته ــ عن موقف المدينة من قرار الدولة مصالحة محتلهم والتطبيع معه والموافقة على منحه سفارة؟ هل يكتب أنّ بعض أبناء وبنات المحرّق خرجوا أفراداً  للتغريد في “تويتر”! وماذا سيخبرنا راشد الجاسم الذي وضع كتاباً عن “العلاقات البحرينية الفلسطينية 1917-1982” حول المدينة في هذه اللحظة المعاصرة!

طوال الأعوام من 2011 إلى 2013 كان جامع أبو حنيفة – البسيتين، ومسجد نادي الساحل – الحد، وجامع الشيخ عيسى بن علي – المحرق، والمسجد الغربي – قلالي، مسارح لجمع التبرعات من أجل “حملة تجهيز غازي” التي دشنتها جمعية “الأصالة” لإعداد وتمويل إرسال شباب في عمر الزهور إلى مناطق النزاع الخطرة كسوريا والعراق باسم عناوين خادعة مثل الجهاد ورميهم في حضن جماعات إرهابية ثم تركهم يواجهون أقدارهم؛ فلماذا بُحّ صوت هذه الجوامع وأئمتها ومؤذنيها عندما صار الأمر يتعلق بفلسطين؟ فلسطين ليست البعيدة التي يتم دعمها بمواقف ثرثارة لا تكلف شيئاً ولبس كوفيّاتها؛ إنما تلك، القريبة جداً، التي يجري الغدر بها من المنامة ويجوب وزراء احتلالها فنادقها ومؤتمراتها وغرف مسئوليها. فأين حملة الجسد الواحد؟ وأين ائتلاف شباب الفاتح؟ وصحوة الفاتح؟ وساحة الشرفاء؟ ورجال الدين على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم؟ ومبادرات المثقفين والشعراء؟ وأين بقية القوى الحية، التشكيلات، والروابط المنظمة والفعاليات الرمزية والروحية ولا نعني أفراداً يقومون بالتعبير عن رأيهم بشكل شخصي.

في الحقيقة أن ما رأيناه خلال الأسابيع الثلاثة الماضية كان عجباً. فقد وجدنا أهم القوى السياسية في المدينة تلتمس العذر للحكم “لا ننازع قيادتنا السياسية حقها في اتخاذ المواقف السياسية” (بيان الجمعيات السياسية السنية الأربع). ووجدنا من يشارك في قطع كيكة تطبيع العلاقات (صاحب مجلس الدوي إبراهيم الدوي). ومن يتورط في التطبيع وينادي به (خطيب جامع الخير في البسيتين الشيخ صلاح الجودر). وكادت أن تشهد المحرق إقامة احتفالية دعماً لاتفاق السلام البحريني الإسرائيلي لتدمغ المدينة بوصمة شائنة يصعب محوها لولا إيقافها من المسئولين في الساعات الأخيرة.

لقد بنيت سردية الاختلاف مع مطالبات الإصلاح السياسي القديمة والتطلعات الشعبية للمشاركة في الحكم على دعاية مضللة كـ”فئوية المطالبين” لمجرد أن أكثريتهم ينتمون إلى طائفة من الطوائف. حسناً فماذا عن فلسطين؟ ما هو عذر الواجهات السياسية والاجتماعية والثقافية في المحرق في التخلف عن نصرتها وترك مهمة التحريك السياسي ضد قرار مصالحة محتلهم لأبناء وبنات القرى وحدهم وتجمعات اليسار والإسلاميين الشيعة! 

لقد صيغت هوية متخيلة شاعرية للمحرق غارقة في النوستالجيا والتمركز حول الذات. فهذا ابن المدينة محمد العثمان يخبرنا “لا يمكن أن تتساوى المحرق بغيرها، فذلك غَمَط للحقوق لا يرضاه الله (…)  عبقرية باهرة لا يدانيها أحد (…) هذه الفسيفساء التي جمعتها المحرق، وهذه الأوراق المتناثرة للتيارات السياسية والاجتماعية المترامية الأطراف والتضاد والتناقضات عجزت جميع المدن والقرى عن جمعها في قالب واحد. فكان للمحرق أن اكتست حلة زاهية وتاج شرف الوحدة الوطنية في أزهى سنوات النضال الوطني من أجل الاستقلال أو من أجل الحقوق الوطنية”. لكن مثل غيره لا يخبرنا العثمان أي شيء عن توقيعات المدينة في لحظتنا المضارعة. وهل انتهت قضايا النضال الوطني والقومي كي يقتصر استدعاء المدينة على سلسلة أفعال ماضية وقادة موتى ومحطات انتهت منذ نصف قرن وأصبحت تاريخاً!

ما لا يريد الاعتراف به المحرقيون أن هذه الهوية البلاغية قد انتهت. وهي لم تعد قائمة إلا في الأشعار وأغاني الشوق الممضة لفتحية العجلان وعلي خليفة وعلي الشرقاوي وغيرهم من الذين رفعوا مجازياً هوية المدينة إلى هوية إعجازية. فقد أصاب المدينة العطب والشيخوخة اللذان أصابا غيرها من الحواضر العربية التي هي في الميزان أهم وأعرق منها مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق. فالتاريخ كما أنه سلسلة من التراكمات فهو سلسلة من القطائع أيضاً. وجه المحرق المضارع هو الآن في قطيعة فظيعة مع وجهها الماضي المشرق.

ما يميز المدن هو الفعالية والحيوية المتمثلة في حراك نخبها ومؤسساتها وميادينها وساحاتها العامة وروابطها واتحاداتها وتعاونياتها الوسيطة لا مغردوها على “تويتر”. لقد سبق للمؤرخ اللبناني خالد زيادة أن أخبرنا كيف أن “المدن العربية التقليدية ذات الإرث التاريخي الضخم تغيرت وتبدلت معالمها بفعل اجتياح الحداثة لها”. أما مدينة المحرق فقد غيرتها السياسة كثيراً، إضافة إلى تدخل السلطة القسري في تجريف شخصيتها. لم تصبح المحرق أكثر حداثة؛ لكنها أصبحت أكثر خنوعاً. 

المصدر: مرآة البحرين + المركز الإعلامي – ثورة البحرين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى