التداعيات الاستراتيجية لاتفاقيات البحرين والإمارات مع إسرائيل

ترجمة مرآة البحرين + المركز الإعلامي – ثورة البحرين

لا تمنح اتفاقيات أبراهام شيئًا للفلسطينيين، الذين كانت قوتهم الوحيدة في هذا الملف ما إذا كانوا سيشاركون في حفل التوقيع في البيت الأبيض في 15 سبتمبر / أيلول أم لا، حيث صدّق المسؤولون الإسرائيليون والإماراتيون والبحرينيون على ما يسمى باتفاقيات السلام، على الرغم من أنّ هذه الدول لم تكن في الواقع في حالة حرب ضد بعضها البعض. إن كلًّا من البحرين والإمارات العربية المتحدة “في حالة حرب” ضد قطر، دولة عربية وخليجية ، أكثر مما هي ضد إسرائيل.

كانت هناك بعض العلامات الواضحة على عدم الارتياح خلال الحدث، حيث انتهكت الإمارات العربية المتحدة والبحرين قاعدة غير مكتوبة، وهي من المحرمات الحقيقية، في العالم العربي. لقد قامتا بتطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون أن تتنازل إسرائيل عن أي شيء. وفي حين حضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحفل شخصيًا، أرسل الإماراتيون والبحرينيون فقط وزيري الخارجية، عبد الله بن زايد آل نهيان وعبد اللطيف الزياني.

نتنياهو يبرز باعتباره الفائز الأكبر

أظهرت الاتفاقيات بوضوح، في حال كانت هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة، أن القضية الفلسطينية قد تلاشت تمامًا من سياسات الشرق الأوسط. القلق الحالي على مستوى المنطقة هو إعادة التنظيم الاستراتيجي للدول لمواجهة إيران. ربما تحاول الإمارات والبحرين -ودول عربية أخرى تغازل فكرة التطبيع- الترويج لقرارها، مشيرة إلى أن سيادة إسرائيل على الضفة الغربية تمّ تجنبها كشرط لحساباتهم الدبلوماسية.

كان رئيس الوزراء نتنياهو قد وعد أنه اعتبارًا من تموز (يوليو) 2020، سيكون مستعدًا للبدء في ضم الأراضي التي اعترف المجتمع الدولي بأنها تنتمي إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية (لكن إسرائيل احتلتها في الواقع لأكثر من نصف قرن). ومع ذلك، حتى بالنسبة لإسرائيل -أو لقسم معين من المجتمع الإسرائيلي- فإن اتفاقيات أبراهام لا تخلو من بعض التنازلات غير المريحة.

اضطر القوميون الإسرائيليون المتطرفون إلى تنحية أي افتراضات بأن إسرائيل قد تحصل أخيرًا على السيادة الكاملة على الضفة الغربية -على الأقل في المدى القريب. وبهذا المعنى، فإن الاتفاقات تعود بالفائدة على بنيامين نتنياهو، وإلى درجة كبيرة على أكثر العناصر الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي. يمكنه التراجع عن خطط الضم الإشكالية، وإلهاء منتقديه بإنجاز دبلوماسي كبير. ويمكنه أيضًا الاستمرار في اتباع استراتيجية احتواء الصراع الفلسطيني بدلاً من محاولة تأمين نصر “عسكري” مباشر، والذي من شأنه أن يخلق مشكلة ديموغرافية وسياسية كبرى.

في هذا الصدد، يمكن لنتنياهو، الذي لا يزال يخوض معركة سياسية محتدمة لاضطراره لتقاسم رئاسته للوزراء مع بيني غانتس، استغلال الاتفاقات لتحقيق مكاسب مع المزيد من الناخبين الوسطيين. سيحتاج إلى هذا الدعم لأن أكبر منتقدي التطبيع مع دول الخليج مقابل تأخير الضم (وهو الوضع الراهن) كانوا ممثلين لليمين المتطرف. إنهم غاضبون لأن نتنياهو لن يفي بوعده بضم الضفة الغربية بشكل كامل.

يمكن للإمارات والبحرين تقديم اتفاقات أبراهام على أنها نصر في الداخل، وتأطيرها حول موافقة إسرائيل على عدم ضم الضفة الغربية. وعلى الرغم من أنه من الواضح أن الاتفاقات تمثل تخليًا عن القضية الفلسطينية، فإن عددًا قليلًا من المواطنين البحرينيين أو الإماراتيين سيهتمون بذلك. لقد نُظِر إلى الفلسطينيين بريبة، خاصة بعد العام 1990، عندما تعاطف الكثيرون مع عراق صدام حسين بعد غزو الكويت. وبالتالي، فإنّ معظم العمال الأجانب في البحرين والإمارات باكستانيون وهنود وجنوب شرق آسيويين، حلوا محل الفلسطينيين. ومع ذلك، فإن البحرين تخاطر باضطرابات محتملة، بالنظر إلى الغالبية الشيعية من سكانها، والتي يمكن أن تثيرها إيران.

مع ذلك، من غير المرجح أن تقوم الرياض أيضًا بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، و “خيانة” الفلسطينيين رسميًا في هذه العملية. يبقى السعوديون الأوصياء على مكة والمدينة، والانفتاح على إسرائيل سيمنح تركيا فرصة عظيمة لتتظاهر بأنها الحامي الفعلي للعرب والمسلمين. ومع ذلك، ليس هناك شك بأن السعوديين وافقوا وشجعوا على التطبيع الذي تم إضفاء الطابع الرسمي عليه في اتفاقيات أبراهام، التي هي نتيجة مباشرة لتقارب المصالح بين الإسرائيليين والسعوديين، الذين وحّدتهم معارضتهم لجماعة الإخوان المسلمين والجمهورية الإسلامية في إيران.

من المؤكد أن الإمارات والبحرين تقعان في دائرة نفوذ الرياض -كما اتضح في العام 2011، عندما أرسل السعوديون قوات إلى البحرين لقمع المظاهرات ضد أمراء آل خليفة، وبالتالي لن يكون من الخطأ اعتبار دولة [البحرين] محمية سعودية حقيقية.

الخاسرون

في حين أبرمت مصر والأردن اتفاقيات سلام مع إسرائيل، بعد أن قاتلا ضدّها عسكريًا بشكل مباشر، في سياقات مختلفة -استعادت مصر أراضٍ في سيناء، وطبّع الأردن العلاقات في العام 1994، في ذروة الفترة الأكثر تفاؤلًا على الإطلاق بقيام دولة فلسطينية -كان الأمر كذلك. بالنظر إلى أنه لم يكن هناك دولة عربية قد تطبع علاقاتها مع إسرائيل من دون إجراءات ذات صلة لإنشاء دولة فلسطينية.

الخاسرون الأكبر بالطبع هم الفلسطينيون وقادتهم، الذين تمّ بالكامل من المفاوضات. لم يكونوا حتى متفرجين -على الرغم من أنهم ربما اشتبهوا بالمكائد وراء الكواليس. ومع ذلك، أصبح من الواضح أن فكرة عدم قيام أي دولة عربية بالترحيب بالعلاقات مع إسرائيل من دون ضمان تحقيق التطلعات الفلسطينية أولاً قد تحطمت.

سيتعرض المزيد من الدول العربية الآن لضغوط لفتح علاقات مع إسرائيل. من المؤكد أن عُمان والمغرب والسودان وموريتانيا (التي كانت قد قامت بذلك بالفعل في العام 1999 لتلغي الأمر في العام 2010) مستعدة لإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات. في غضون ذلك، حافظت قطر والمملكة العربية السعودية أيضًا على علاقات مهمة مع إسرائيل. لا يمكن للسعوديين تحمل إضفاء الطابع الرسمي على هذه التعاملات، وتحتاج إسرائيل إلى بقاء قطر “عدوًا” لضمان أن يكون لديها قناة موثوقة للتعامل مع حماس في غزة -التفاوض على إنهاء العمل العسكري من القطاع إلى إسرائيل، كما حدث في أغسطس / آب  وسبتمبر / أيلول من العام 2020.

تغيير النظام الجيوسياسي في الشرق الأوسط

من المرجح أن تؤدي العلاقة الجديدة بين إسرائيل والإمارات والبحرين إلى إعادة اصطفاف العرب السنة، وتعزيز موقفهم المناهض لإيران مع الدولة اليهودية -ومع الولايات المتحدة. إن التصور بأن عصر النفط الكبير يقترب من نهايته (وليس بسبب نقص الموارد) دفع دول الخليج للبحث عن بدائل. يريد الخليج روابط أعمق مع أنظمة التحالف الغربي مثل الناتو من أجل ضمان مستوى الحماية والمصالح من أولئك الذين أقاموا وجودًا عسكريًا كبيرًا هناك لحماية النفط (أي الولايات المتحدة وأوروبا).

يدرك عرب الخليج أنهم يستطيعون لعب هذه “الورقة” الآن، ما يجذب مخاوف الغرب بشأن الصين الصاعدة، وروسيا بدرجة أقل. إيران هي الخاسر الأكبر من منظور (خسر البراغماتيون الإيرانيون، لكن المنظرين انتصروا، بالنظر لكونهم يمتلكون بنية مانوية واضحة)، بسبب العلاقة الواضحة والمكشوفة بين عرب الخليج وأعداء إيران اللدودين، الولايات المتحدة وإسرائيل.

تمكنت إيران من الحفاظ على علاقة فاعلة مع الإمارات، التي تتعرض الآن للتهديد. ومن المحتمل أيضًا أن يكون البيت الأبيض قد شجع الإمارات والبحرين – وغيرهما، الذين قد ينضمون إلى اتفاقيات أبراهام قبل الانتخابات الأمريكية- من خلال وعد الأمراء بفرصة شراء أسلحة متطورة مثل مقاتلة  F35 stealth  و EA-18G وصواريخ ريبر. قد يتم إقناع إسرائيل، التي اعترضت على مثل هذه المعاملات حتى في الماضي القريب، لأن تزويد الحلفاء الخليجيين بالمعدات يقلل من عزلتها في المنطقة. وتعزيز التحالف ضد طهران أصبح نقطة أخرى لصالح نتنياهو.

لدى تركيا فرصة للظهور على أنها “طائر الفينيق المسلم” من ناحية، لكنها ستكون أيضًا أكثر عزلة في الخليج -حيث لا يوجد سوى قطر كحليف موثوق. ومع ذلك، فإن اتفاقيات أبراهام لديها القدرة على كشف أي تطلعات قد لا تزال لدى الفلسطينيين لتأمين دولة خاصة بهم. سيتم منع إيران الأكثر عزلة، وقطر المُهَمشة على التوالي (من خلال العقوبات والحرب الاقتصادية) لمساعدة الحلفاء الفلسطينيين الرئيسيين مثل سوريا وحزب الله في لبنان، والذين يتعرضون بالفعل لضغوط من مشاكل سياسية واقتصادية داخلية كبيرة.

في النهاية ، قد ينتهي الأمر بالشرق الأوسط بأكمله بالتوقيع على اتفاقيات إبراهيم من أجل البقاء. بعد كل شيء ، حتى سوريا كانت تفاوض – في محادثات بوساطة تركيا – لتطبيع العلاقات مع إسرائيل في العامين 2009-2010.

المفسدون المحتملون: قليلون وغير مهمون

المفسد الرئيس هو السلطة الوطنية الفلسطينية. بصرف النظر عن هذه الاتفاقيات الحاسمة، يمكن أن تنهار فعليًا تحت الضغط. يمكن للضفة الغربية إما فتح بوابات الفيضان أمام حماس و / أو خلق أزمة لاجئين ضخمة أخرى في الشرق الأوسط وما وراءه.

حققت روسيا انتصارًا استراتيجيًا كبيرًا في سوريا، ما سمح لها بالعودة إلى منطقة الشرق الأوسط بعد غياب يعود إلى سقوط الاتحاد السوفيتي في العام 1991. لكن  لا يمكن لهذا النصر أن يُنتِج أي مكاسب جديدة لموسكو، التي أثبتت بالفعل أنّ موقفها في سوريا هو موقف لا يتداخل مع الأهداف الإسرائيلية.

ما قد يتغير، في الواقع، هو علاقة موسكو بطهران. سيتعرض الروس لمزيد من الضغط لمساعدة سوريا في صد الهجمات الإسرائيلية (أي استخدام صواريخ (S-300 من إيران. ولكن في نهاية المطاف، تخضع روسيا أيضًا للمراقبة بسبب العقوبات والمخططات المنتظمة لتقويض مصداقيتها الدولية؛ على سبيل المثال، “تسمم”  [أليكسي] نافالني الأخير مع عواقب يمكن التنبؤ بها مثل مطالب الاتحاد الأوروبي بأن تسقط ألمانيا خطط خط أنابيب نوردستريم. لذلك يجب على روسيا الحفاظ على سياسة إقامة علاقات ودية قدر الإمكان مع جميع الجهات الفاعلة.

قد تنظر الصين إلى تعزيز العلاقات بين الدول السنية الغنية وواشنطن على أنه مصدر إزعاج، بالنظر إلى جهودها الخاصة لإغرائها [للانضمام] إلى فلكها. ومع ذلك، فإن الصين قبل كل شيء صبورة. لا تحتاج إلى تغيير سياساتها، بالنظر إلى استراتيجيتها -على غرار روسيا- التي كانت دائمًا تحافظ على علاقات وثيقة مع جميع الأطراف في الشرق الأوسط من إسرائيل، إلى الدول السنية، إلى إيران والدول العربية المؤيدة لها.

قد تشير اتفاقيات أبراهام بالفعل إلى “فجر شرق أوسط جديد”، كما قال دونالد ترامب. لكن ليس بالضرورة شرق أوسط أفضل. يمكن للفلسطينيين تفسير الاتفاقات على أنها خيانة، لأن دول الخليج فتحت خرقًا لما كان حتى وقت قريب نقطة مركزية في سياسات الشرق الأوسط: لا تطبيع بدون دولة فلسطينية.

إذا كان انتقاد إيران متوقعًا، فإن تركيا الأكثر قومية وإسلامية للرئيس أردوغان لديها سبب أكبر لإبعاد نفسها عن الناتو وأوروبا. علاوة على ذلك، ونظرًا لأن القضية الفلسطينية كانت دائمًا مشكلة للدول العربية، فقد تكون اتفاقيات أبراهام بمثابة “نفوذ” سعى عدد من هؤلاء من أجل التخلي عنه في النهاية.

حتى الثمانينيات من القرن الماضي، أدى اللاجئون الفلسطينيون من الأردن (أي سبتمبر الأسود 1970) إلى لبنان (الحرب الأهلية 1975-1990) إلى زعزعة استقرار الحكومات. دعم الفلسطينيين يبقي الدول العربية مثل سوريا، أعداءً لإسرائيل والولايات المتحدة ضد مصلحتهم -كما أظهرت الجهود لتأمين التطبيع مع إسرائيل في العام 2010.

الآن، بسبب اتفاقيات أبراهام، هناك خطر متزايد ومأساوي من أن تستبدل الدول العربية القضية الفلسطينية بالسلام مع إسرائيل، الأمر الذي يحظى بمعنى اقتصادي واستراتيجي أكبر على المدى الطويل. والفلسطينيون يعرفون ذلك.

النص الأصلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى