عبدالنبي الدعلة

مشكلة وزير العمل السابق عبدالنبي الشعلة أنه أراد أن يصبح “مفكرا” حين تقاعد. وهذه على ما يبدو تقليعة بحرينية آخذة في الاستطراد؛ حيث يتحول الوزراء إلى “مفكرين” و”فلاسفة” ما إن يُحالوا على المعاش. لكن كما يقال فالعلم في الكبر كالنقش في البحر. لذا فهو يسعى ويجتهد كي يصبح كذلك، ولكن بلا فائدة. لقد ظل موظفا مخلصا في سلطة الاستبداد مدة ثلاثين عاماً، وكانت سياساته الكارثية واحدا من أبرز الأسباب التي أدت إلى قيام انتفاضة العام 1994؛ إذ بلغت نسبة البطالة في عهده 15 %. وبدلا من أن يمنحنا كتابا حول قصة الفشل الذريع هذه، وشهادته على أسبابها، قرر أن يمنحنا مواعظ فكرية حول تجربة المهاتما غاندي في الهند وقضايا النضال اللاعنيف. وقع كتاب “غاندي وقضايا العرب والمسلمين” في “المرفأ المالي” في حضور رهط من الوزراء والبرجوازيين المفلطحين، ومذاك صار خطيباً وكاتباً نحريرا منتظما في آلة الفكر العمومية.

وحين قصقصت أرياش الجناح الذي انتمى له، وذاب فيه شغفا وغراما، ريشة في إثر ريشة، اختار أن يؤسس صحيفة ينثر فيها إطلالاته الفكرية العظيمة، ليغدو واحدا من فلاسفة المقال الصحفي في بلد ما عادت فيه صحافة بل مرايا متناظرة لمنشور واحد، ووجيها شيعيا يعيد تركيب تاريخ مبتور لطائفته، مطابق للخط البائس الذي سار فيه. منذ هذه اللحظة أصبح مؤرخا وعلاّمة في أحوال الشيعة. فكما يقال في أدبيات الاجتماع “الطائفة هي الملجأ الأخير للنذّل” فقد راح عبدالنبي الشعلة يستكشف طرق وصله بطائفته بعد أن ذرّف على السبعين وبعد أن ما عاد له وجناحه في الدولة موطئ قدم. هكذا رحنا نقرأ عن “عاشوراء في البحرين” و”الشيعة العرب” و”سفير الإمام المنتظر في البحرين” و”الشيعة والقضية الفلسطينية” “والمرجعية الدينية”. بل راح يعدنا بالمزيد. “أستعد حالياً لإصدار مجموعة من الكتب المستلهمة من هذه المسألة” كما راح يبشرنا في أحد حواراته.

أصبح لدينا مفكر ناجز الآن. مفكر كامل الأوصاف يضرب في الجهات الأربع وتغطيه ماكنات صحافة الرأي الواحد الحكومية. في البزنس والتجارة وفي السياسة والدولة وسياسات العمل وفي التاريخ والفكر وكلّيات الفلسفة وفي الصحافة. اكتمل عقل الفيلسوف الهذربان وما علينا سوى مواكبة طشطشاته والغرف منها كي لا تضيع فنضيع. وقد كان من نتاج ذلك مؤلفه الثاني “تجربتي مع القلم” الذي قدم لنا فيه نفسه كصاحب فكر في القضايا العالمية والتاريخ والفن والوقائع وكي يكون ــ مثلما يقول ــ بمثابة حافز يسهم في تشجيع الأقلام الشابة على الإنتاج والإسهام في تراكم المعرفة والثقافة. ما من مفرّ من ملاقاة “الفيلسوف” الذي يقول لنا في أحد حواراته السابقة “أكملت 68 عامًا ومازلتُ شاباً”.

على أن عبدالنبي الشعلة، كائناً ما بلغ مستوى ادّعائيته، والتضخم، ونرجسية الذات، يبقى في المبتدا والمنتهى “تاجر فيزا”. هكذا استقرّ اسمه ورسمه في الذاكرة الوطنية المحلية حتى أصبحت واحدة من أبرز النكات المتداولة حوله لفترة من الزمن، وهكذا سيبقى. عنواناً قديماً للإتجار بالبشر وإغراق البلاد بالعمالة السائبة رخيصة الثمن و”التكسب من عرق وجهد العمال البائسين”. اليوم يسترجل الشعلة المحاضرة فينا حول مخاطر ما آلت له أوضاع سوق العمل بفعل نظام “الفيزا المرنة” كما لو كانت متاجرته الطويلة والقديمة في “الفيزا” مزحة عيال في “فريج” القرية. نظرة فاحصة إلى شركته “الفنار للاستثمار” التي تضم تحتها عشرين مؤسسة في قطاع التجارة والنشر والصناعة والطب الخاص، وتكاد تغص من العمالة الهندية والآسيوية المستقدمة، النظامية وغير النظامية، تعطيك فكرة كافية عن بوصلته وهوى داره. حتى راح ينبهنا إلى أن “علينا أن لا نستبعد إمكان توطين ومنح الجنسية إلى عدد كبير منهم طوعًا أو قسرًا، ومن الأفضل أن نختار الخيار الطوعي”.

دع عنك مطالعته البائسة حول “الشيعة والقضية الفلسطينية”. فهذه من  فيوضات مرحلة “الفيلسوف” بعد التقاعد وبعد أن لم يتبق “للكولونيل من يكاتبه”. خلال احتجاجات العام 1994 دعته هيئة الإذاعة البريطانية للتعليق على الاتهامات التي توجه إلى الحكومة البحرينية بالتمييز ضد المواطنين الشيعة عبر رفض توظيفهم في مؤسسة الجيش. فكان جوابه بأن ذلك ليس صحيحاً وأنهم هم من يحجمون عن التقدم إلى العمل في قوة دفاع البحرين لأن منازلهم تقع في مناطق بعيدة. تلك النكتة التي ما تزال تستعاد إلى اليوم كمثال على وزير يكذب مثلما يتنفس. إنّ صاحب هذا التعليق المزوّر هو نفسه الذي يقدم لنا الآن سرداً مبتوراً حول علاقة شيعة البحرين بالقضية الفلسطينية التي لم تبدأ ـــ كما يخبرنا ــ إلا مع الثورة الإيرانية فقط! وعلينا منذ الآن أن نصدّق بأن منازل شيعة البحرين كانت بعيدة ليست عن قوة دفاع البحرين فقط؛ بل عن هوى فلسطين أيضاً وقدسها وصخرتها وقضيتها. وأن صورة الحاج أحمد بن خميس مع رفاقه بالبندقية “نحن البحرينيين نفدي فلسطين والعرب بل وكل المسلمين” ما هي إلا خرطوشة مائية للترفيه عن أحفاده ولنشرها بعد خمسين عاماً في “الفيسبوك”.

… وأن نصدق أن الوزير الأسبق صار مفكراً فعلاً. و”تاجر الفيزا” صار راعي قلم. وأنّ الدعلة ــ وهي في اللهجة العامية البحرينية كلمة تعني الخائب لكنها في العربية تعني المخادع ـــ صار شعلة! مرحباً بكم في دماغ الفليلسوف “بتاع كلّو”!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى