إميل نخلة: هل يمكن لرئيس وزراء البحرين الجديد رسم مسار جديد نحو الإصلاح؟

ترجمة مرآة البحرين + المركز الإعلامي – ثورة البحرين

يمكن أن يرسم تعيين ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة رئيسًا جديدًا لوزراء البحرين بعد وفاة عمه الأكبر خليفة بن سلمان آل خليفة مسارًا جديدًا للإصلاح والانسجام المجتمعي في البحرين. ومع ذلك، قد يعيق الاقتصاد  المهتز للبحرين، واعتمادها اقتصاديًا وأمنيًا على السعودية والإمارات، جهوده. النبأ السار هو أن وفاة خليفة أزالت حجر العثرة الأكبر في وجه الإصلاح والحوار مع المعارضة الشيعية والسنية. سيكون لأجندة سلمان المستقبلية تداعيات خطيرة على الاستقرار الطويل الأمد والجدوى الاقتصادية والعلاقات الإقليمية للبلاد، وكذلك الوجود البحري الأمريكي في البحرين. إذ طالما تأثر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، الذي أُرسِلَ إلى البحرين منذ عقود، بالاضطرابات الشعبية واحتمال الإرهاب ضد البحارة الأمريكيين. وغالبًا ما اتهم نشطاء المعارضة الولايات المتحدة بالتواطؤ في وحشية النظام ضد الشعب البحريني. وقد يؤدي التواصل المُحتمل لسلمان مع الغالبية الشيعية إلى القضاء على العنف المحتمل ضد الوجود الأمريكي في البلاد.

 إرث خليفة

حتى وفاته عن عمر يناهز 84 عامًا يوم الأربعاء  11 نوفمبر / تشرين الثاني، كان خليفة بن سلمان رئيس الوزراء صاحب أطول خدمة في العالم، بعد توليه المنصب مباشرة بعد استقلال البلاد في العام 1971. وكان الرمز الأكثر وضوحًا في البحرين للفساد والانقسام  والثروة الهائلة والطائفية المعادية للشيعة والسيطرة السياسية.  منذ السبعينيات، كان يشار إليه غالبًا باسم “السيد 30، 40، أو 50 بالمائة” وفقًا للنسبة المئوية التي يتوقع أن يتلقاها من الشركات والمستثمرين الرئيسيين كثمن لممارسة الأعمال التجارية في الدولة. لا يمكن لأي شركة وطنية أو دولية كبرى تأمين عقد من دون دفع نسبة مئوية لرئيس الوزراء أو من ينوب عنه.

 كان خليفة بن سلمان أحد أكبر مالكي العقارات في البلاد. أكسبته المباني السكنية الراقية و”الأبراج” والفنادق ملايين الدولارات من الإيجارات. بُنِي عدد من هذه المباني والأراضي وحتى الجزر على أرض تابعة للدولة أو [أرض] “مستصلحة” حصل عليها مجانًا. كان لديه وأبنائه مصالح مالية مسيطرة في معظم المؤسسات الصناعية والتجارية والمصرفية والنقل والنفط في البلاد. كرئيس للوزراء، سيطر خليفة أيضًا على مقاليد السلطة وأدار العمليات اليومية للحكومة تحت إشراف شقيقه الأمير السابق للبلاد، الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، من العام 1971 حتى العام 2000. واصل إدارة الحكومة تحت حكم ابن أخيه الملك حمد بن عيسى آل خليفة. وكان صاحب سلطة في جميع جوانب الحكم، من المالية إلى المخابرات والأمن القومي.

 كان خليفة المتشدد الأقوى في البلاد. عارض الدستور الذي أصدره شقيقه الأمير في العام 1973، وكان صاحب دور فعال في تعليقه بعد عامين. كما ساهم في حل الجمعية الوطنية الأولى والوحيدة في البلاد، في العام 1974*، بعد عام، أو ما قارب ذلك، على إنشائها من قبل حاكم البلاد. كانت معارضة خليفة للدستور ومجلس الأمة مدفوعة بمعارضته الشديدة للحكومة التمثيلية. في المحادثات التي أجريتها معه في العامين 1972-1973، خلال إقامتي لمدة عام في البحرين بصفتي أحد كبار الباحثين في برنامج فولبرايت، أوضح أن الأفكار الديمقراطية كانت غريبة عن البلاد وتشكل تهديدًا لحكم الأقلية السنية [التي تمثلها] عائلته.

في الواقع، في أواخر العام 1972، اتصل خليفة بالسفير الأمريكي في الكويت وهدد بالإعلان عن كوني شخصًا غير مرغوب به، مدعيًا ​​أنني كنت أدافع عن الأفكار الديمقراطية في محادثاتي مع الأعضاء ذوي التوجهات الإصلاحية في الجمعية التأسيسية البحرينية، والتي كُلِّفَت بصياغة دستور للبلاد. كانت مزاعمه زائفة. مكثتُ في البلاد خلال بقية العام الأكاديمي لفولبرايت. عندما التقيتُ به بعد عدة أيام لدحض مزاعمه، أخبرني أن الديمقراطية والحكومة التمثيلية “ستقوض استقرار البلاد”، وهو ما يقصد به حكم آل خليفة. في السبعينيات، قاد خليفة مجموعة من شيوخ آل خليفة التقليديين في معارضة جميع مطالب الإصلاح. في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قام أيضًا برعاية مجموعة أصغر نسبيًا من أفراد العائلة المالكة المعادين بشدة للشيعة والمعروفين في البحرين باسم الخوالد (لكون اسمهم الأول “خالد” أو كونهم من أبناء “خالد”). مع اختفاء أبناء العائلة القدامى من المشهد، واصل الخوالد حملتهم ضد الشيعة إلى الأمام تحت عين خليفة الساهرة.

 وساوى خليفة بين مطالب الإصلاح وعدم الاستقرار والإرهاب. جعل إيان هندرسون، الضابط البريطاني الذي أرهب متمردي ماو ماو في كينيا خلال حرب الاستقلال في ذلك البلد، مسؤولاً عن إسكات المعارضة بأي وسيلة ممكنة، بما في ذلك المضايقة والاعتقالات غير القانونية والمحاكمات الصورية والنفي والتعذيب، ما أدى إلى أحد أسوأ سجلات حقوق الإنسان في المنطقة. بفضل سياسات خليفة، لا يزال آلاف النشطاء المؤيدين للديمقراطية يقبعون في السجون البحرينية بتهم ملفقة.

خلال حكم خليفة، تحولت البحرين من دولة منفتحة ومتسامحة وحيوية اقتصاديًا وشاملة، تُعرف باسم “لؤلؤة الخليج”، إلى قصة حزينة عن انتهاكات حقوق الإنسان والخضوع للمملكة العربية السعودية. حظر حرية الصحافة والتعبير بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الصارمة. كان شقيقه الأمير عيسى محبوبًا ومحترمًا من قبل شعبه كزعيم إصلاحي ومتسامح وواقعي. بخلاف ذلك، ترك إرث خليفة المُلَطّخ بالطائفية والقمع والفساد البحرين دولة فقيرة ومنقسمة، تفتقر إلى جميع مكونات مجتمع نابض بالحياة ومتطلع إلى المستقبل.

وعد سلمان

كان ولي العهد سلمان بن حمد البالغ من العمر 51 عامًا، والذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة وإنجلترا، في مركز السلطة في البحرين منذ ما يقرب من 30 عامًا. خلال المحادثات التي أجريتها معه منذ عدة سنوات، أدهشني صدق التزامه بالإصلاح والاندماج. وأعرب عن اعتقاده بأن إشراك الأغلبية الشيعية في عملية الحكم تحت مظلة حكم آل خليفة سيكون مفيدًا للبلاد -اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. كما أنه سيعزز الاستقرار الداخلي والسلام بين الشيعة والسنة وحكم العائلة.

 بعد تولي والده الحكم، وتغييره لقبه من من أمير إلى ملك في العام 2002، شارك سلمان بنشاط في مبادرة والده الإصلاحية: “الميثاق الوطني”. وسعى من أجل السماح بإعادة فتح الصحف المستقلة. كجزء من حركة الإصلاح، عاد منصور الجمري، رئيس تحرير صحيفة الوسط، إلى البحرين وأعاد تشغيل الصحيفة. لسوء الحظ، أُوقِفَت الأنشطة الإصلاحية لولي العهد بسرعة كبيرة من قبل رئيس الوزراء وأنصاره المناهضين للشيعة والديمقراطية داخل الديوان الأميري أو القصر الملكي. بعد فترة وجيزة، أُغلِقَت صحيفة الوسط.

استسلم سلمان للضغوط وحتى التهديدات الضمنية لوقف حواره مع الجماعات المؤيدة للديمقراطية. بدأت شائعات ماكرة بالانتشار، والتلميح إلى أن الملك حمد قد يستبدله بأخيه الأصغر. رضخ سلمان وبدأ يدافع عن تحركات والده وعمه الأكبر لترسيخ الحكم الاستبدادي للعائلة في البحرين. استجابت المملكة العربية السعودية لنداءات خليفة من خلال إرسال قوات إلى البحرين وتقديم خطة إنقاذ اقتصادية خلال “الصحوة العربية” في العام 2011. وقد سرَّعت الإجراءات السعودية انجراف البحرين نحو الاستبداد بمباركة من خليفة.

 يمكن لإدارة بايدن العمل مع سلمان لتحقيق أهداف مهمة، بما في ذلك وقف ممارسة حرمان المعارضين البحرينيين من جنسيتهم، وبدء حوار مع المعارضة، والسماح لجمعيتي الوفاق والوعد والصحف الرئيسية، مثل الوسط، بالعمل بشكل قانوني. يمكن لواشنطن أن تساعد سلمان في تحسين السجل السيء للبحرين في مجال حقوق الإنسان. 

يمكن للتّيارات المعاكسة القوية أن تعرقل مبادرات سلمان المؤيدة للإصلاح والديمقراطية، ولكن مع قوته الجديدة ودعم واشنطن، سيزداد احتمال النجاح بشكل كبير. يمكن أن يقضي تعزيز التّناغم الاجتماعي وخلق مستقبل أكثر تفاؤلًا للشعب البحريني على خطر العنف والإرهاب. وستخدم السياسات المماثلة مصالح البحرين والبحرية الأمريكية في ذلك البلد.

  • حُلَّت الجمعية الوطنية في البحرين في شهر أغسطس / آب من العام 1975، بأمر من أمير البلاد آنذاك  الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، لكن أُبقِي التاريخ الوارد في النص وفقًا للنسخة الإنجليزية منه، فاقتضى التوضيح. 

النص الأصلي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى