مع الدكتور عمران: من “العرب بورد” إلى “سعودي بورد” محنة الأطباء البحرينيين بعد 2011 (1)

يعتبر الدكتور قاسم عمران، المقيم في الولايات المتحدة حالياً، عدم انخراط الطبيب البحريني المتخرج حديثا بالتدريب من أجل التخصص ضربة قاتلة، أو في الحد الأدنى مؤذية جدا، وفي الصميم، لمستقبله المهني.

هذا ما يحصل الآن للخريجين الجدد، الذين ترفض الدولة ضمهم وبالتالي لا يحصلون على أي فرصة للتدريب والتخصص. كل ما يفعلونه أنّهم ينتقلون من عيادة إلى أخرى ومن مستشفى إلى آخر لمجرد دعم سيرهم الذاتية حتى لا يعتبروا غير ممارسين للمهنة، ويُؤخذ ذلك كذريعة لوقف تراخيص عملهم، من هيئة تنظيم المهن الصحية.

خلال الثمانينات وضع وزير الصحة الأسبق علي فخرو بعض المعايير لابتعاث الأطباء للتدريب في الخارج، بمعونة رؤساء الأقسام بالمستشفى، كان أغلبهم وقتئذ لبنانيين. كثير من البحرينيين المحسوبين على السلطة لم يستطيعوا اجتياز هذه المعايير، فلجأوا لاستصدار أمر من رئيس الوزراء آنذاك لابتعاثهم على نفقة وزارة الصحة، رغما عن الوزير ومعاييره، التي لم تُطبق إلا على غيرهم. هذا النهج ما يزال متواصلا، وذلك للحفاظ على توازن طائفي في الحد الأدنى، إن لم يكن لتغليب فئة التيار الموالي من “الأطبّاء” في كل قسم.

التطور الجديد الذي حصل بعد 2011 أن حرب التمييز والإلغاء انتقلت إلى شكل علني ودون مواربة على كافة المستويات، وزارة التربية من جهة، والصحة من جهة ثانية، وهيئة التراخيص من جهة أخرى ثالثة. القرار المعلن اليوم هو أن وزارة الصحة لن توظف أي طبيب جديد إلا بناء على معايير غامضة، لكن الجميع يعرف إنها معايير سياسية طائفية.

منذ أيام الوزير علي فخرو في الثمانينات كان هناك برنامج تدريبي مقرر للأطباء الجدد اسمه “العرب بورد” ( Arab Board Of Health Specializations (ABHS) كل من يدخل هذا البرنامج ويجتازه كان يعتبر موظفا بشكل تلقائي، ومع السنين يترقى في السلم الوظيفي كما هو الحال في باقي الجهات الحكومية. بعد 2011 توقف هذا البرنامج لفترة ثم أعيد العمل به؛ ولكن بتغيير جذري. بات البرنامج يتكفل بتدريب الأطباء الجدد بالتعاون مع “تمكين” دون أن تلتزم وزارة الصحة بتوظيف أي منهم بعد انتهاء تدريبه، وصار توظيف أي طبيب من هؤلاء انتقائيا وخاضعا لمعايير غير معروفة.

فضلا عن ذلك، لا يقبل البرنامج التدريبي لوزارة الصحة إلا عددا محدودا جدا من الخريجين كل عام، والنتيجة الطبيعية لذلك هي: فائض في الأطباء العاطلين وغير المُدرّبين سنويا.

في الوقت ذاته أُطلق أيضا برنامج تدريب مواز لـ”العرب بورد”، وهو برنامج “سعودي بورد”، بترخيص من وزارة الصحة؛ لكن معايير القبول فيه كانت خاصة أيضا وغير واضحة، فضلا عن تمويله مجهول المصدر.

وإذا كان برنامج “العرب بورد”، مع محدودية مقاعده، مفتوحا للجميع، فإن برنامج “سعودي بورد” كان مغلقا وشبه سري. ينقل لي أحد الأطباء أنه عندما فتح الباب للتقدم لبرنامج “سعودي بورد” لم يكن أحد من الأطباء الشيعة يعلم عنه أي شيء، وكان المتقدمون من الطائفة السنية فقط، باستثناء طبيب شيعي واحد (علم بطريقة ما) من بين مايقارب 20 متقدما لذلك البرنامج!

الآن السؤال الأهم، هل يتعرض كل الأطباء حديثي التخرّج لذات الصعوبات أم لا؟ أم أنّ هناك نفقاً سرياً يؤدي بمجموعة ما إلى التوظيف بمعايير مختلفة؟ الأدهى أن لدى الأطباء السنّة طريقا خاصاً آخر للتوظيف عبر مستشفى قوة الدفاع (المستشفى العسكري)، ومستشفى الملك حمد؛ حيث يحظون هناك بالرعاية الخاصة في التدريب والتخصص في الخارج دون تعطيل وفِي سنين مبكرة. كثير من هؤلاء كانوا زملاء في الجامعة، ولكن مسارهم المهني للتخصص كان أقصر منّا بكثير.

هذه المستشفيات هي الملاذ الأول والطبيعي لكل خريج من الأطباء السنة، لأنّها تقريبا حكر عليهم من بين البحرينيين، وبالتالي لن تجد بين خريجي الطب من الطائفة السنية الكريمة عاطل عن العمل.

المفارقة المثيرة للسخرية، هي حين تكتشف هذه المستشفيات بأن أحدا من هؤلاء الأطباء الذين تم توظيفهم غير لائق مهنيا، وتقرر التخلص منه، تقوم بتحويله إلى السلمانية! فينضم حينها لبرنامج وزارة الصحة التدريبي، وهو موظف له كل امتيازات التوظيف، فيما زملاؤه المقبولون عبر البرنامج التدريبي نفسه، وبحسب المعايير الجديدة، ليسوا موظفين، وتنتهي علاقتهم بوزارة الصحة حال إنهاء فترة البرنامج التدريبي وهي في أقصاها 4 سنوات.

النتيجة أنك تجد في كل عام ما لا يقل من 400 طبيب بحريني (غالبيتهم من الطائفة الشيعية) ينتظرون التدريب أو التوظيف، وأغلبهم إما في البيوت أو يعملون في مهن غير طبية، في حين يعمل عدد قليل منهم في مستشفيات أو عيادات خاصة كعمالة رخيصة برواتب متدنية لا تتجاوز 550 دينارا يتكفل صندوق “تمكين” بدفع 400 دينار منها، ويمكن لهذه المستشفيات إذا أرادت أن تتخلص منهم في أي وقت بعد انتهاء فترة الدعم.

رئيس المجلس الأعلى للصحة، محمد بن عبد الله بن خالد آل خليفة، اقترح للتملّص من المسئولية عن هذه الكارثة أن يتم تدريب الأطباء الجدد العاطلين (الشيعة) لمدة عامين في المستشفيات الخاصة، وهو ما يعبر عنه الدكتور قاسم عمران بأنه بمثابة “السلق على السريع” وذلك ليكونوا غير مؤهلين بما يكفي ليتقدموا إلى تخصص طبي ما. يؤكد عمران أن وزارة الصحة بحاجة إلى أطباء جدد وتستطيع استيعاب هؤلاء الخريجين بسهولة جدا ولكن السلطات تمنع ذلك عن سابق إصرار وتصميم.

“هل هناك أدهى من هذه الحرب على الأطباء الشيعة: وزارة الصحة لا توظفهم، المستشفى العسكري ومستشفى الملك حمد ورغم حاجتهما الماسة لأطباء لا يقبلان توظيف أي منهم سواء من الخريجين الجدد أو حتى من الأطباء المختصين، ودون تفسير ولا تبرير يتم ملء الشواغر في المستشفيين المذكورين بأطباء من جنسيات أخرى، وتلك أصلا سياسة قديمة في المستشفى العسكري منذ تأسيسه”.

في المقابل يقوم المستشفى العسكري ومستشفى الملك حمد بتوظيف نظراء العاطلين من الأطبّاء السنة ومن ثم يحولهم إلى مستشفى السلمانية ليستحوذوا على ما تبقى من مساحة ضيقة يُفترض أنها لا زالت متاحة للأطباء الشيعة وغيرهم!
“في النصف الثاني من التسعينات رجعت مجموعة من الأطباء الجدد (أكثرهم شيعة وعدد قليل منهم من الطائفة السنية الكريمة) من مصر إلى البحرين فتم توظيفهم في مستشفى السلمانية. آنذاك كان عبدالحي العوضي هو رئيس وحدة القلب في قسم الباطنية وكان كل همه أن يمنع أي طبيب شيعي (ومنهم محدثكم) أن يدخل هذا القسم بأي طريقة رغم أن القسم كان مليئا بالأطباء من الجنسية الهندية ولا يوجد فيه أي طبيب بحريني. حاول بعض الأطباء الشيعة من تلك الدفعة الالتحاق بالقسم فرفضهم العوضي بدعوى أنه لا يوجد شاغر”.

“بعد أيام التقى هؤلاء الزملاء المتخرجون من مصر (شيعة وسنّة) في جلسة ودية، وتداولوا بينهم أي قسم سيختارون لتخصصهم، فما كان من أحد الأطباء  إلا أن قال لهم لماذا لا تقدمون لقسم القلب، لأن الدكتور عبدالحي العوضي اتصل بي ليعرض علي أن ألتحق به لأنهم بحاجة لأطباء لابتعاثهم!”

المصدر: مرآة البحرين + المركز الإعلامي – ثورة البحرين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى