إميل نخلة: كيف يجب أن يتعامل بايدن مع البحرين

ترجمة مرآة البحرين + المركز الإعلامي – ثورة البحرين

يوم الأحد 14 فبراير / شباط، نزلت مجموعات صغيرة من المتظاهرين إلى شوارع المدن البحرينية إحياءً للذكرى العاشرة “الربيع العربي البحريني” الذي اندلع في فبراير / شباط 2011. نظم  تحالف شباب 14 فبراير وقاد الاحتجاجات الجماهيرية التي هزّت البحرين دعمًا للديمقراطية وحقوق الإنسان قبل عقد من الزمن. وعلى الرغم من أنّ الانتفاضات العربية، التي عُرفت في ذلك الوقت باسم الربيع العربي، أسفرت عن تنحية الحكام المستبدين في تونس ومصر واليمن وليبيا، إلا أنها سُحِقَت على يد قوات الأمن في البحرين والإمارات العربية المتحدة وسوريا وغيرها من الدول.

بوقاحة، هدم النظام البحريني، تحت القبضة الحديدية لرئيس الوزراء الراحل خليفة بن سلمان، وبدعم عسكري سعودي، دوار اللؤلؤة في قلب العاصمة المنامة، متغلبًا على حركة 14 فبراير / شباط، واعتقل وعذّب وقتل عددًا من المتظاهرين دون الكثير من الإدانات من القوى الغربية الصديقة الكبرى ، بما في ذلك الولايات المتحدة، هذا إنْ وُجِدَتْ أساسًا.

منذ استقلال البحرين في العام 1971، حكمت عائلة آل خليفة التي تمثل الأقلية السنية الغالبية الشيعية. أدار رئيس الوزراء الراحل خليفة بن سلمان، شقيق الحاكم السابق وعم الملك الحالي، جهازًا أمنيًا اعتمد القسوة والرقابة ضد الغالبية الشيعية. وعلى مر السّنين، رفض جميع مطالبهم من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية التعبير والتجمع. أمر خليفة باعتقال رجال الدين الشيعة والأكاديميين والنشطاء السلميين وقادة الأحزاب السياسية والبرلمانيين. وحلّ جمعية الوفاق، التنظيم الشيعي الرئيس في البلاد، وصادر أصولها  واعتقل قادتها. وفي الوقت الراهن، لا يزال عدد من قادتها وأعضاء البرلمان السابقين والنشطاء السلميين، المعروفين على المستوى الوطني، يقبعون في السّجن أو يقيمون في المنفى. 

كانت العلاقات بين البحرين وإدارة ترامب في الغالب عبارة عن معاملات  عابرة وشخصية، مع الحد الأدنى من الاهتمام بالديمقراطية وحقوق الإنسان. لاحقت السلطات البحرينية منظمات ونشطاء حقوق الإنسان، وخنقت الدعوات إلى الإصلاح والديمقراطية بحجة مكافحة الإرهاب. في نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، أمل البحرينيون أن تشهد البلاد، مع وفاة خليفة وتعيين ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة رئيسًا جديدًا للوزراء، فترة من الإصلاح السياسي، وأن تتمكن من تمهيد الطريق للمصالحة الطائفية. حتى الآن، لم يُظهر سلمان أي مؤشرات ملموسة على أنه سيتحرك في هذا الاتجاه. ومع ذلك ، يأمل بعض البحرينيين أنّه في حين يعزز سلمان موقع سلطته بين الفصائل المختلفة والأكثر تقليدية داخل الأسرة الحاكمة، يمكنه، بتشجيع من إدارة بايدن، التحرك باتجاه المصالحة السنية الشيعية. 

لا تُعَد مصالحة مماثلة خطوة غير مسبوقة في البحرين. فبين الأعوام 1971-1975 و2000-2003 ، دعا الحكام البحرينيين، بمن في ذلك الغالبية الشيعية، للمشاركة في العملية السياسية من خلال انتخابات حرة ونزيهة. وسُمِحَ للصّحافة الحرّة، مثل جريدة الوسط، بالنشر، وسُمِحَ للأندية الاجتماعية والسياسية بالعمل. يمكن لسلمان أن يعيد إحياء هذه العملية، ويمكن أن تستغلّ واشنطن تعيينه كفرصة لتشجيعه ووالده الملك حمد على السماح لجمعية الوفاق وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني بإعادة فتح أبوابها. وكرئيس للوزراء، يمكنه أن يسمح للأندية السياسية باستئناف أنشطتها القانونية والسلمية والسياسية والثقافية. ومن شأن انفتاح البلاد والسماح لأهلها باستئناف تفاعلاتهم الاجتماعية والسياسية بحرية أن يمهد الطريق في النهاية نحو خلق شعبٍ أكثر تعليمًا وحرية وإنشاء دولة متطورة تقنيًا وحيوية اقتصاديًا، كما في سنغافورة. ب

زعم حكام البحرين، تمامًا كحكام الإمارات والسعودية ومصر، لإدارة ترامب أنّ المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة عزّزت الاستقرار الإقليمي، وأن هذه الأسلحة والتقنيات الأخرى صُممت لإحباط التهديدات الإقليمية وغير الحكومية. لكن للأسف، استُخدِم عدد من الأسلحة التي قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول غربية أخرى في صراعات إقليمية أجّجها العرب – ومنها على سبيل المثال النزاع في اليمن وليبيا – وضد شعوبهم نفسها. واستُخدِمَت قوات الأمن “المناهضة للشغب”، والمدججة بالسلاح في البحرين وغيرها من الأنظمة الاستبدادية لقمع الاحتجاجات السلمية الداعية إلى الإصلاح السياسي والانتخابات الحرة وحقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية.

أنفقت الديكتاتوريات العربية في السنوات الأخيرة مئات الملايين من الدولارات في واشنطن على مراكز الأبحاث والصناعات الدفاعية والعلاقات العامة وشركات المحاماة المرموقة والدبلوماسيين المتقاعدين  وكبار الضباط العسكريين والعلماء الخليجيين والمؤسسات الأكاديمية. كان هذا الإنفاق الباذخ يهدف ببساطة إلى إقناع القادة الأمريكيين بأن المستبدين شركاء يمكن الثقة في الحرب ضد الإرهاب وإيران، ومؤيدون، يمكن الاعتماد عليهم، للمصالح الأمريكية. وقالوا إنّ الأوتوقراطية رهان أكيد لمستقبل العالم العربي لكن الديمقراطية  فوضوية لا تؤدي إلى الاستقرار. هذه البروباغندا السائدة منذ عام 2011 عزّزت أيضًا فكرة أن الربيع العربي قد مات، وأن الإسلام السياسي بإشراف الإخوان المسلمين كان خطيرًا، وأن الدعوات إلى الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان تزعزع الاستقرار محليًا وإقليميًا، ويمكنها أن تهدد المصالح الأمريكية. وعلى وجه العموم، صدّق القادة الأمريكيون في العقد الماضي هذا الادعاء الزّائف.

 كيف يجب أن يعيد آل خليفة ضبط العلاقات مع إدارة بايدن؟ 

يبدو أن التسامح الأمريكي مع الاستبداد في البحرين والدول الشرق أوسطية الأخرى في السنوات الأخيرة وصل إلى نهايته مع إدارة بايدن. إذ من المتوقع أن تشغل حقوق الإنسان وحرية التعبير، بما في ذلك حرية الصحافة، مكانة كبيرة في إعادة إدارة بايدن لضبط العلاقات مع البحرين والدول الخليجية الأخرى. ويُشَكّل تأكيد الرئيس بايدن على حقوق الإنسان والديمقراطية وحق الشعوب في التعبير عن آرائها بحرية ومن دون إكراه إشارة قوية لآل خليفة بأن إدارته تخطط للمساءلة في حجة الحكام العرب الزائفة التي تربط بين الاستبداد والاستقرار. 

مؤخرًا، صرّح الرئيس بايدن  في خطابه الافتراضي أمام مؤتمر ميونيخ للأمن للقادة الأوروبيين أن الديمقراطيات “لا يزال بإمكانها تقديم المساعدة للناس”. وقد حان الوقت لتنتقد الولايات المتحدة في ظل إدارة بايدن آل خليفة وغيرهم من الحكام المستبدين العرب بشأن سجل حقوق الإنسان، وتقنعهم بأن المشاركة الدبلوماسية أكثر فاعلية من قوة السلاح في حل التحديات العالمية والإقليمية الملحة -بما في ذلك أزمة اللاجئين وتغير المناخ والاحتباس الحراري والتجارة الدولية والتهديدات السيبرانية للبنى التحتية الحيوية والأوبئة والحروب المستمرة.

وإن كانت الأسرة الحاكمة في البحرين تطمح إلى إطلاق العنان للابتكار والإبداع لدى شعبها ، عليها أن تفك قيودهم وتسمح لهم بحرية الاستكشاف والاختراع والإبداع وحتى ارتكاب الأخطاء. يمكن للمواطنين الأحرار الاستجابة لتحديات عصرنا بفاعلية وإبداع؛ لكن، وببساطة، لا يستطيع شعب مكبّل القيام بذلك. ويوفر نظام حكم ديمقراطي مستقر في البحرين منصة فاعلة للتقدم في التكنولوجيا والعلوم والطب في حين لا تتمكن دولة قمعية من ذلك.  يمكن لإدارة بايدن أن تحث رئيس الوزراء البحريني على إطلاق سراح آلاف المعارضين، وإلا سيظل الشباب البحريني تحديًا دائمًا للمؤسسة الحاكمة. وعلى الرغم من فوز آل خليفة في المواجهات مع المعارضين البحرينيين خلال الربيع العربي، إلا أن الأفكار المطالبة بالإصلاح، والتي دفعت الشباب العربي – من سنة وشيعة، ورجال ونساء وحضريين وريفيين – إلى النزول إلى الشوارع قبل عقد من الزمن لا تزال تنبض. 

على الرغم من أن سلمان يمثل جيل ما بعد الاستقلال، إلا أن الكثيرين من النظام القديم لا يزالون يحتفظون بمناصب قوية داخل الحكومة ومجلس الأسرة. ويتقدم فصيل ما قبل الاستقلال، المناهض للشيعة داخل عائلة آل خليفة، في السن، ويزداد بعدًا عن الشباب البحريني الذي لا تزال أفكاره تتردد على الرغم من الاعتقال المستمر للكثيرين منهم.  إذا كان رئيس الوزراء سلمان ووالده الملك حمد مهتمَّين بإعادة ضبط العلاقات مع الرئيس الأمريكي الجديد، عليهما دعم مساعيه الدبلوماسية مع بعض جيرانهم بما في ذلك إيران والفلسطينيين، ورغبته في إنهاء الحرب في اليمن. 

من خلال وضع التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي حول الديمقراطية والدبلوماسية وحقوق الإنسان في رأس القائمة هو السبيل الوحيد لسلمان لرسم مسار جديد، ولآل خليفة للبقاء في السلطة بالشراكة مع الشعب. 

النص الأصلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى